القاضي عبد الجبار الهمذاني

296

المغني في أبواب التوحيد والعدل

وإن لم يعرفوا فصاحة الكلام ؛ ويقوّى ذلك أنهم يعرفون المتقدّم في الفقه إذا علموا تسليم الفقهاء له ، إلى ذلك ، وإن لم يعرفوا الفقه على التفصيل ، إذا عرفوه على الجملة ؛ وفصلوا بينه وبين سائر العلوم ؛ فكذلك القول فيما ذكرناه . وقال في موضع آخر : تعرفون بالخبر أن من تقدّم من الفصحاء كان عالما بمزية القرآن ، وأنه كان يخبر بذلك ؛ وهذا القدر يكفى في الدلالة ؛ لأنه إذا علم من حالهم ما وصفنا ، علم أن للقرآن مزية ؛ لأنه لو لم يكن كذلك لم يحصل لمن تقدّم هذا العلم ، الّذي عنده ، تعذرت المعارضة ؛ وهذا الوجه ، وإن كان الاستدلال بالقرآن على النبوّة ، يمكن معه ، فالأوّل أظهر ؛ لأنهم كما يعلمون ذلك من حال من تقدّم يعلمون ، في الجملة حال القرآن ؛ لأن ذلك ممكن على الجملة ، كما ذكرناه في معرفتهم ، بتقدّم بعض العلماء على بعض ، وإن لم يكونوا عالمين بتفصيل ذلك العلم ؛ والّذي تجوز فيه الشبهة ، في باب العجم وسائر من لا يعرف العربية ، هو الكلام الّذي [ قدّمناه الآن : وقد أوضحنا القول فيه ، ورتبنا حال سائر من كلف تصديق الرسول عليه السلام وشريعته « 1 » ] على وجه يبين أن جميعهم يمكنهم الاستدلال بالقرآن ؛ فأما قول من يقول : إن العجم إذا لم يصح فيهم تأتى مثل القرآن ولا تعذره ، فلا ينكشف ذلك فيهم أصلا ؛ فكيف يصح التحدّى فيهم ، والاحتجاج بالقرآن عليهم ؛ وهل حالهم في ذلك إلا كحال العاجز ، إذا تحدّاه الرسول ، ببعض الأفعال ؟ فبعيد ؛ وذلك لأنا لا نقول : إنه ، صلى اللّه عليه ، تحدّاهم ، وإنما تحدّى أهل هذا الشأن ، وجعل تعذر المعارضة دلالة لهم على نبوته ؛ ودلالة لسائر الناس ، على أن القرآن خارج عن العادة ، بتعذره على العجم ؛ والمعتاد منه أيضا يتعذر عليهم ؛ فهم يعلمون : أن تعذر المعارضة ، على

--> ( 1 ) ما بين المعقوفتين ساقط من « ص » .